تحقیق درباره نؤاس، إلي، العرب، أبي

دانلود پایان نامه ارشد

نؤاس حین کان الخروج عملاً فاعلاً فی تشکیل مجتمع جدید علی کافة المستویات. لذلک صادف خروج أبی نؤاس بخروج عام یهدف إلی التغییر و التحّول علی الصعید السیاسی و الاجتماعی و حتی الدینی. و علی ضیق صدر السلطة العباسیة الحاکمة لبعض الأصوات المتمردة لم یضق ذرعاً لتجربة أبی نؤاس النادرة فی جرأتها و تهتکها و تقویضها لکل أساس أخلاقی قائم. و هو و إن ضاق فی بعض الأحیان فلم یصل إلی حد المنع و المصادرة و الفتاوی بإهدار الدم التی لا ینفک یصدرها دون تحرّج من متحجری هذا العصر(عصرالعباسي). فهذه الحالة مکّنت أبا نؤاس من أن یتحّول إلی نموذج شدید التمّیز لاختراق القیم السائدة و إنتهاک الأعراف و هی التی مکنته من کسر دائرة النخبة المثقفة لیدخل فی صمیم الوجدان الشعبی العام باعتباره رمزاً لاختراق المفهوم السلطوی للأخلاق مثلما هو رمز لانتهاک البنیة الدینیة. فهو بحیلته و ذکائه کسر دائرة الاستبداد المقفلة (عمود الشعر). و فتح ثغرات عدة فی جدارها الفولاذی و کل ذلک من خلال عمله الدؤوب علی ابتکار قنواتٍ تعبیریة سفلیة تسمی الأشیاء بأسمائها و تدق بعنف أبواب المحرمات.و من هنا أصبح أبو نؤاس أحد الدعاة إلی الحدیث و الجدید. و جاء بما فرضه علیه الذوق الجدید من تصور مغایر لتصورات أسلافه برؤیة جدیدة للأشیاء، فی بناء الکلمات و بنیة القصیدة و علاقتها بالواقع الخارجی الذی اصطدم بمعاییر البیانیین ألتی نشأَت عن استقراء تجربة مغایرة للتجربة الجدیدة. فما کان منهم إلا أن عابوا کثیراً من شعره هو و شعر أبی تمام بحجة الخروج علی عمود الشعر. فالبکاء علی الطلال هو النموذج الذی لا تصح القصیدة المادحة إلاّ به. و لذا فالخمرة عند أبی نؤاس خروج علی النموذج.

4-2- ثورة أبي نؤاس ضحيّة ألفهم القاصر:
یکاد یتفق الباحثون علی انَّ ذلک الخروج بأنه دعوة شعوبیة قادها أبو نؤاس.و في ألحقيقة لم تكن ألمسألة بهذه ألضخامة ألتي صوّرها مؤيّدو شعوبيَّة أبي نؤاس ولم تأخذ المسألة حجمها ألطبيعي من قِبَلِ النقاد.فالدكتور طه حسين يؤكد بقوة علي أنَّ« أبا نواس لم يكن يذم القديم لأنه قديم، بل لأنّه قديم ولأنّه عربي،ولم يكن يمدح الحديث لأنّه الحديث، بل لأنّه الحديث ولأنّه فارسي،ثم يقول بعد ذلك.هو إذن مذهب تفضيل الفرس علي العرب،مذهب الشعوبية المشهور.»(حسين،ب،لا.تا، ص2/90)وهذا الدكتورعبدالله التطاوي يقول:«أبونواس مسبوق إلي هذا النمط من المقدمات [المقدمات الخمرية] مما يجعل من غير الطبيعي أن نتصور إخلاصه في هذه الدعوة ألتي لم تصدر عنه كشاعر فنان بقدر ما صدرت عنه كشاعر شعوبي تبنّي القضية السياسية إلي فرض سيطرتها علي قضايا الفن الشعري،فحركة أبي نؤاس تأتي صدورها عن لسان شعوبي آثر السخرية من العرب وتحقيرهم.»(التطاوي,لا.تا،ص 61) الحقيقة انَّني في حيرة من أمري! كيف تكون هذه الدعوة شعوبيةً وقد كانت عامة بين الشعراء في القرن الثاني الهجري ولم تكن دعوة أبي نؤاس وحده؟ وكيف تكون القضية شعوبية وهو يقرُّ(أبو نؤاس)بأنّه عربي اللسان متقن العروض الخليلي؟ويحاول أن يقف شعره بجوار النابغة الجاهلي و الحطيئة المخضرم و كعب بن زهيرالاسلامي.
خليليةٌ في وزنها قُطرُبيةٌ نظائرُهَا عند الملوكِ عَتادي
وما ضَرّها أن لا تُعَدّ لِجرولٍ ولا الْمُزَني كعبٍ، ولا لزِيادِ
(ابونواس،1997م،ص183)
«فالخليلية،نسبة إلي الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض. و قطربية، نسبة إلي قطرب وهو محمد بن المستنير بن أحمد أحد علماء النحو.أمَّا جرول،هو الحطيئة شاعر مخضرم. وكعب هو كعب بن زهير مادح الرسول(ص). و[أخيراً] زياد،هو النابغة الذبياني الشاعر الجاهلي المشهور.» (المصدر نفسه، الصفحة نفسها)
نعم، إنّه قد أغرق في بعض الأحيان بتهكمه و إستهزائه بالتقاليد العربية. والمفروض منه ألاّ يغالي في ذلك لأنّه صاحب دعوة، وصاحب الدعوة لابد له أن يسلك طريقاً مرناً لنجاح ثورته وتوفيقها. أمَّا ابونؤاس لايعرف المعاملة بالحياد! ولايريد أن يعيش في الماضي بل يريد أن يعيش الواقع المتمثل في طزاجة اللحظة. وهذا الأمر حال بينه وبين مراعاة مشاعر الأعراب وأحاسيسهم. فأبونواس كما يقول عبدالستار الجواري«لم يكن مدفوعاً إلي تلك الثورة بدافع الشعوبية والعصبية علي العرب وإنَّما كان يدفعه إليها انطلاق و حرية في عواطفه واندفاع في اندجامه الهائل بالبيئة الجديدة.»(الجواري،1412ه،ص 127) ولئن دعي أبونواس إلي نبذ الوقوف علي ألاطلال فهو ينطلق بذلك من موقع جديدٍ فرضته عليه جدّة الحياة المتأثرة بالحضارة الوارفة والمدنية المشرقة ألتي تجاوب معها أيّ تجواب.يقول ابونواس:
لاتبْكِ رَسْماً بجانبِ السّنَدِ ولا تجُدْ بالدموعِ للجَرَدِ
ولاتُعرّجْ علي مُعَطَّلةٍ ولا أثافٍ خلَتْ ولا وتدِ
ومِلْ إلي مجْلسٍ علي شَرَفٍ بالكَرْخِ بين الحديق، معتمَدِ
ممهَّدٍ صُفّفَتْ نمارِقُهُ في ظلّ كرم معرَّشٍ، خَضِدِ
قد لحفتْكَ الغصُونُ أرْدِيةً، فيومُك الغضّ بالنعيم نَدي
ثمّ اصطبحْ من أميرةٍ حُجِبتْ عن كل عيْنٍ، بالصّوْنِ والرّضَدِ
(ابونواس،1997م،ص159)
وإذا إشْتَدّ في بعض الأحيان هجوم أبي نؤاس وآلم نقاد العرب فأضن أنَّ هذا الهجوم رد فعل علي ممارسة بعض القوي العربية في معاملتها مع الموالي.و إذا قال:
دعِ الرّسْمَ الذي دثَرَا يقاسي الرّيحَ والمطَرَا
وكنْ رجلاً أضاعَ العلْــ مَ في اللذّاتِ و الخَطَرا
ألمْ ترَ ما بني كسرَي وسابُورٌ لمنْ غبَرَا
مَنَازِهُ بين دِجلَةَ والْـ ـفُراتِ تفيّأتْ شجَرَا
بأرضٍ باعَدَ الرّحْــ منُ عنها الطلحَ والعُشَرَا
و لم يجعل مصَايدَهَا يَرابِيعاً، و لا وَحَرَا
(المصدر نفسه،ص285)
فلعلَّ في هذه الأبيات إشارة صريحة علي الظلم الذي كانت تمارسه بعض القوي العربية في أيام بني أمية علي الموالي. ولقد عاش شاعرنا هذه الأيام وأحسَّ بأنّه مواطن من الدرجة الثانية في المجتمع العربي.وعندما وجد متنفساً عند وصول العباسيين إلي مقاليد الحكم قارن بين العرب وحضارة الفرس. ومن خلال مقارنته لم يعترض إلي ذلك من باب المفاخرة و تفضيل الفرس علي العرب، بل لمجرد حث العرب إلي التغيير وتذكير فضل الفرس علي العقلية العربية في الفترة العباسية وحتي قبل ذلك.فهو إنْ لَمْ يشعر بهذا الظلم لماذا يصّب جام غصبه بالشكل الذي نراه في البيت الأخير(ولم يجعل مصايدها يرابيعاً)؟وبناءً علي هذا السياق يرفض أبو نؤاس العبودية ألتي كانت تحدث للموالي ومن هنا أخذ بمهاجمة العرب. وجدير بالذكر انَّ علماء النفس يقّرون بطبيعة هذه القضية (قضية الرد الفعل) ويعّدونها من البديهيات.
وأمَّا الدکتور شوقی ضیف، ینفی صفة الشعوبیة عن أبی نؤاس و یعتقد بأنَّ التماجن هو ما دفع أبا نؤاس إلی الثورة علی القدیم. یقول الدکتور شوقي ضيف:«أبو نؤاس لا یشغب علی العرب شغب شعوبیة كشعوبية بشار، فشعوبیته– إن صحّ التعبیر- من لون آخر، ذلک أنه لا یوازن بین خشونة البدو و حضارة الفرس، کما یصنع بشار و غیره من الشعوبیین الحقیقیین، و إنَّما یوازن بین تلک الخشونة و الحضارة العباسیة الماديّة و ما يجري فيها من خمر ومجون. ونحن نظلم أبانواس إذا سمّینا ذلک -کما ذهب بعض المعاصرین- شعوبیة حقة، إنَّما هو تماجن وإمعان فی التماجن،ولذلک لم یرفض هو نفسه البکاء علی أطلال البادیة بل بکاها کثیراً.»(ضیف،ث،لا.تا،ص 231)وعبدالستار الجواری یشاطر شوقی ضیف فی الرأی و یقول:«و کانت طبیعته الماجنة المستهترة تدفعه إلی أن یحمل علی العربی و یثلب قبائل العرب و یهزأ بها لأنه یشعر نحوها بشعور الغریب المتبرم بها و بأهلها، و لکن شعور الذی کان یجد فی حیاته الحضریة و فی بیئته المتحضرة المترفة ما هو أخلق منها بأن یتغنی بها الشعراء و أجدر أن یستمتعوا بها استمتاعاً فنیاً فلا تزدوج شخصیاتهم و لا یکذبون فی عواطفهم و مشاعرهم تقلیداً و اتباعاً.»(الجواری،1412 هـ،ص127)والحقیقة انّی لا اشاطر الدکتور شوقی ضیف و الدکتور عبدالستار الجواری فی رأیهما وانّی أری أنَّ ثورة أبی نؤاس لم تکن بدافع المجون، کما اعتقد الدکتور شوقی ضیف و الدکتور عبدالستار الجواری و لم یتخذ من المجون ستاراً لنوایاه المبیّتة؛لانَّ ابا نؤاس رجل صریح و صاحب موقف صارم و هو أوسع من أنْ یتخذ من المجون زیّاً لنجاج ما یجول فی قلبه و فؤاده.فهو لا یستبیح محضوراً حتی یستطیع المجون یسعفه علی ذلک. فهوس الاباحیة عنده احتجاجاً علی نفاق الناس و السلطات و ارباب المقامات و لیس ستاراً وسعیاً لنجاح ثورته.أمّا في المقابل انظر إلي روعة تعبير ألباحث عمر فروخ وموقفه بالنسبة إلي أبي نؤاس وثورته.«أن ابا نؤاس قليل الاهتمام بالشعوبية ألتي كانت ثائرة في أيامه، ولم يكن متعصباً للعرب علي الفرس، ولا علي لغير العرب علي العرب، علي انّه كان بلا ريب يفضّل الحياة الحضرية وترفها كما عرفها الفرس علي الحياة البدوية و شظفها وهي عربية بدوية في الاصل، وكان يهجو الاعراب ومستوي معيشتهم لا العرب و امجادهم.»(فروخ,1968م،ص2/159) هذا وانَّ الاستاذ العقاد یری أنَّ أبا نؤاس لم یفعل هذا و لعاً بالتجدید و نفوراً من القدیم، فما کان ینعی علی الشعراء بکاء الطلول إلاّ لینعی من وراء ذلک معیشة البادیة علی أهلها أجمعین و هو یری أنَّ السبب فی هذا هو حب المعارضة و هی مسألة عرض و إظهار «و لو لم تکن مسألة عرض و إظهار عند أبی نؤاس لم عناه هنا رأی الأقدمین و رأی المحدثین، فقد کان ینحو فی الطرد و الغزل و الهجاء منحی الشعر القدیم و یلهج بمحاکاته علی نمط لم یؤثر علی أحد من نظرائه و معاصریه.» (العقاد،2007م،ص 33) و لنا ملاحظه علی ما تفضّل به استاذنا العقاد.و هي: إذا کانت دعوته مجرد مخالفة و حب ظهور، فإنَّ کل تجدید هو مخالفة بحد ذاته و إنَّ الشعراء بطبیعتهم یمیلون إلی حب الظهور و لا یعنی هذا شیئاً. أمَّا انّه سار علی نمط الشعر القدیم فی کثیر من الموضوعات الشعریة فهذا صحیح حیث انّه لم يستطع التخلص من الموروث الثقافي،لانَّ الذوق العام ظل مشدوداً إلي القديم ومحافظ عليه ولم يسمح بايِّ شكل من الاشكال بالخروج علي ماكان عليه الشعر في عصوره الاولي. فالزمن والمجتمع كل ذلك مازال محافظاً علي القديم، لقد كانت المرحلة ناضجة لظهور الدعوة لكنّها لم تكن المرحلة مهيأة بكل أبعادها لقبول التطبيق.لكن مع كل هذا لقد أدرك أبونؤاس التجديد من سويداء قلبه وأحس بضرورته فأخذ يدعي الجميع اليه بمؤدةٍ واخلاص. فهو أكثر الشعراء تقبلاً للتجديد ومؤثراته وأكثرهم انسجاماً لتفاعله التام معه.فنخرج من هذا كله علي أنَّ أبانؤاس ناقدٌ فذٌ وفريد في تاريخ النقد الأدبي، قد يبحث في الصلة بين الأدب والحياة. ويحاول أن يلائم بينهما.
إذن نحن نری أنَّ أبانؤاس لم یکن یتخذ من الشعوبیة مذهباً أو عقیدةً له. بل کان کما یبدو من سیرته و حیاته و شعره ابناً باراً لعصره ألذی عاشه و استوعبه بعقل منفتح.فمن هذا المنطلق نستطیع أنْ نفسّر ثورة أبی نؤاس و خرقه لاصول الشعر و قواعده. و منه أیضاً نستیطع أنْ نَقِفَ علی أسباب ثورته علی الاعراب و تجافی طرائقهم فی القول. فثورة أبی نؤاس لم تکن ترتکز علی منطلقات خارجة عن واقعه بل کان یستوحی دعائمها من ذلک الواقع الذی عاشه بکل أبعاده. فهو ضد تقدیس ألشیء و ضد المصادرات من أیِّ نوعٍ کانت.فانعکس هذا التکوین المعقّد و متعدد الجوانب علی القصیدة العربیة الجدیدة أو بالاحری القصیدة النواسیة فکانت انعکاساً أمیناً لتکوینه ألنفسی و الاجتماعی و

پایان نامه
Previous Entries تحقیق درباره انَّ، كان، إلي، القرن Next Entries تحقیق درباره إلي، الكميت، نؤاس، ألتي