تحقیق درباره انَّ، كان، إلي، القرن

دانلود پایان نامه ارشد

من عادات وأخلاق العنصرين العربي والفارسي و ماداخلهما من العناصر والأجناس الاخري. يقول طه حسين واصفاً العصر العباسي وما حدث فيه من امتزاج« انَّ العصر العباسي عصر امتزاج بأمم مختلفة وشعوب متباينة،منها البدوي والحضري،ومنها الجاهل والعالم،ومنها الغني والفقير، أفتريد أن تختلط هذه الامم، وتمتزج هذه الشعوب، دون أن تضطرب لهذا الاختلاط و الامتزاج أخلاق وعادات ونظم؟دون أن ينهار بناء قديم ويقوم بناء جديد؟ أ فتريد أن يمتزج العربي والفارسي والمصري والرومي وأن تبقي الاخلاق والعادات كما كانت دون أن ينالها فساد او اضطراب ؟ذلك شيء تستطيع أن تفرضه في الخيال،فأما في الحياة الواقعة فليس اليه من سبيل.»(حسين،1964م،ص2/69) ولماذا الجميع يخص العنصر الفارسي؟فالجواب هو، انَّ عادات الفرس و تقاليدهم كانت قوية جداً بحيث تركت أثراً واضحاً في المجتمع العباسي. ويعتقد الكثير انَّ هذه القوة استمدها الفرس من مركزهم الرفيع في الدولة العباسية. فلنفرض انَّ هذا صحيح، اذن لماذا لم يكن للأتراك ذلك التأثير عندما قرَّبهم المعتصم و ولاّهم أرفع المناصب بحيث أصبحت مقدّرات الدولة والشعب بأيديهم، ينصبون ويعزلون وحتي يقتلون؟ ويطول بنا المطاف ويعرض اذا أردنا أن نخوض في هذه المسألة.فما يهمنا فعلاً هو انَّ المجون في العصر العباسي ازداد بازدياد الثراء، والبذخ وتدفق الأمول، و الاغراق في الشهوات و اغداق الخلفاء علي أنفسهم وعلي خاصتهم والتفنن في المأكل، والمشرب، والملبس و ما إلي ذلك من مظاهر الترف والنعيم ألتي دفعت بعجلة الحياة العباسية و أنعكست علي سلوك الفرد والجماعة.فليس غريباً بعد هذا كله أن تنشأ نزعة التحرر من قيود المجتمع والتحلل من العادات العربية القديمة والسنن الموروثة و من ضوابط الدين و نواهيه. وفي الحق انَّ لِلجواري الحسان وما أقمن به من رقص وغناء دور في إنكار الحياة القديمة من قِبَلِ الناس و استهوائهم الحياة الجديدة ألتي أغرتهم بحريتها، و رونقها، وبريقها، وثرائها، ومتعها، و لذّتها. ولوأنّنا خطّطنا رسماً بيانياً لاتجه صاعداً بأستمرار نحو التحرر الأخلاقي، و الجنسي، والثورة علي القيود، والتبشير باللذة والاباحية. وممّا لاشك فيه انَّ الادمان بالخمر انذاك دفع الكثير إلي المجون، والعبث، والاباحية.وكان الخمر يقترن بالغناء والرقص. وكان الناس و منهم الشعراء يقصدون الحانات و الأديرة للشراب و القصف. أمَّا البساتين فتحوّلت إلي حانات كبيرة للخمر و المتعة بسماع المغنين والقيان«ولعل مجتمعاً عربياً لم يعرف اللهو والمجون كما عرفها المجتمع العباسي.»(ضيف،ب،لا.تا,ص100)و انّي علي يقين انَّ مجتمعاً كالمجتمع الجاهلي والاسلامي لايمكن أن يقبلَ بمثل هذا التهتك والمجون ألذي شهده العصر العباسي.نعم، نحن نقر بوجود اللهو و المجون في أشعار الجاهليين و لاسيما الأعشي، شاعر الخمر الأول و واضع جرثومة الفن الخمري كما أكَّد ذلك كثير من الباحثين. وصحيح بأنه (الأعشي)«يقرن خمرياته بالمجون و يقترب نوعاً ما من ذوق العباسيين ويحب الخمر إلي درجة توشك أن تكون تقديساً.»(ضيف،ذ،لا.تا،ص335) لكن لايرقي هذا بأي حال من الاحوال إلي مجون العباسيين و لهوهم؛ لانّه قليل بالقياس إلي مجون العباسيين.والأهم من ذلك كان أغلبه منحولاً.أمَّا من أين بدأت هذه النزعة؟ وكيف أنتشرت؟ وهل كانت بدايتها من العصر العباسي؟ أم انَّها وليدة العصور السالفة؟في الحقيقة أنَّ نزعة اللهو لم تكن وليدة العصر العباسي وحده وانّما بدأت مع مطلع القرن الثاني الهجري «فلم يكد ينقضي القرن الأول الهجري وتنقضي معه خلافة عمر بن عبدالعزيز حتي بدأت هذه الموجة في الظهور و بدأنا نسمع عن البلاط الاموي وماكان ينتشر فيه من أسباب الخلاعة و التحلل.»(خليف،1981م،ص 32) اذن ما الشيء الذي حال بينها وبين ظهورها في بداية تأسيس الحكم العباسي؟ في الحقيقة انَّ رجال الدولة العباسية الأوائل(السفاح و المنصور) كانوا يصرفون جل وقتهم في تأسيس الدولة واصطناع الموالين وكبح جماح الثائرين وسفك دم الخارجين،فلم يكن لديهم من الوقت والفراغ للخوض في اللهو والعبث. أمَّا لمّا هدأت الدولة واستتب الأمر للعباسيين فكان امام الخليفة شيئاً من الوقت يجد فيه متسعاً لشيء من اللهو والترف والنعيم. و لا ننسي أنَّ بخل المنصور وشحه كان له أثر كبير علي مسار ع حركة المجون أبان حكمه. فعلي كل حال كان بداية انتشار المجون بشكل عام وصريح في القرن الثاني الهجري. وهذا ما أكّده المرحوم طه حسين في قوله:«لم يكد يبتديء القرن الثاني الهجري حتي ظهر المجون وانتشر و وصل قصور الخلفاء، ثم كانت ثورة العباسيين فتم انتصار الفرس علي العرب، و انتقل مركز الخلافة من الشام إلي العراق، وأصبح الأدب عراقياً, لاشامياً ولا بدوياً،أي أصبح خاضعاً من كثب،لتأثير الفرس و حضارة الفرس فتم انتصار العبث والمجون.»(حسين،1964م،ص2/82) و لعل قائلاً يقول: انَّ للحياة الناعمة الجديدة في العصر العباسي أثر في حياة اللهو والعبث والمجون وهذا أمر طبيعي؛لان الحياة الحضرية من شأنها تخلق أجواء تساعد علي زعزعت الموروثات الأخلاقية العربية والاسلامية. علي انّني أعتقد خلاف ذلك،لان ليس بالضرورة أن يصحب التطور الحضاري مجون كمثل المجون الذي كان سائداً في العصر العباسي.وليس من الضروري ايضاً«أن ينطح الانسان العمود برأسه من حسن غناء المغنين أو لشدة تأثره وانفعاله يمزق ثيابه و يمرغ في التراب ويركل بأرجله ويلطم وجهه.أو في بعض الأحيان كان السامعون يرمون أنفسهم من الجسر من شدة التاثير والانفعال.»(امين،ب،2004م،ص1/76) و في الواقع نحن لا نجد تفسيراً لهذه الحالة غير انَّ ما نستطيع قوله هو انَّ العربي أحلَّ لنفسه ما لم يكن يسمح به أو يرضاه.فهذا يمكن إرجاعه إلي انَّ الوازع الديني خفَّ بين الناس. لان الناس أخذوا يبحثون عن من يحلل الخمرة ألتي حرّمها الله لكثرة تعاطيهم لها وانتشارها بينهم. ومع الأسف قد كان لهم ذلك وقد«خرج بعض من الفقهاء من إجتهادهم بتحلليل بعض من أنواع ألأنبذة كنبيذ التمر والزبيب أن أدني طبخ ونبيذ العسل والتين و البر و العسل.»(المصدر نفسه،ص1/98) والشيء أللافت للنظر في موضوع اللهو والمجون هو انَّ كلّما نتقدم إلي الامام في العصور العباسية و لاسيما القرن الرابع وبالتحديد العصر البويهي نجد أنَّ الناس كانوا يتعمقون في اباحت الحرمات و اشاعة الفساد والخلاعة!فالمجون في هذه الفترة أصبح شيئاً مألوفاً، لا ينكره العرف و لايأباه الذوق الاجتماعي. والمصيبة الكبري«انَّ الحكومة في هذه الفترة لم تعد تري في ممارسة المجون ما يوجب حداً أو عقاباً بل بالعكس كانت تنظر إلي الزناء والرقص في المحلات العامة نظرها إلي أية وسيلة من وسائل الارتزاق المشروع كالزراعة والتجارة. لذلك كانت تفرض علي ألزواني وألراقصات في فارس ضريبة تضمنها لمن يشاء.»(غناوي،1949م،248-249) فالزناء واللواط وغيرهما من الفسوق لم يكن يعتبر في نظر المجتمع من الرذائل ألتي تحط بالكرامة أو تسيء إلي أخلاق العامة. ومن أجل تقريب المعني إلي ذهن المتلقي نقارن بين موقف الشاعر القرن الثاني،و الرابع مِن ظاهرة اللواط.فإنَّا إذا تقصّينا و تحرّينا شعرهم جميعاً نجد شيئاً لا بأس بذكره وهو ،انّنا لم نعثر علي شاعر واحد من شعراء القرن الرابع وبالتحديد الفترة البويهية كان يهجو خصومه باللواط كما كان يفعل الشاعر القرن الثاني. فنأخذ أكثر الشعراء صيتاً في الفسوق و الفجور(أبونواس الشاعر القرن الثاني) نموذجاً. فاذا أراد أن يؤلم خصومه و يوجعهم هجاهم باللواط لعلمه انَّ مجتمعه كان يستنكر هذه الظاهرة المشينة ألتي وصل بها المجتمع القرن الرابع إلي الدرك الأسفل من الانحلال الفضيع فيما بعد.و موقفه مع أبي عبيده معمر بن المثني الذي آلمه وأفزعه بهجائه خير شاهد علي ما ادّعيناه.يقول أبو نوأس:
صلي الآله علي لوطٍ وشيعتهِ أبا عبيدة قــــل باللهِ آمينـــــا فأنت عندي بلاشك بقيتهم منذ احتملت وقد جاوزت سبعينا
(ابونؤاس،1997م،ص573)
فعلي كل حال انَّ مجون القرن الثاني كان محصوراً في نطاق ضيق و بيئات محدودة اذا ما قورن بالمجون القرن الرابع.نعم، كان محصوراً علي طائفة الخلعاء والمستهترين يمارسونه في مجالسهم الخاصة أو في بعض المحلّات العامة كما قدمت لكم من قبل. ذلك لانَّ الرأي العام في القرن الثاني كان يستنكر المجون ويأباه أكثر ممّا كان يستنكره الرأي العام في القرن الرابع.و بأعتقادي انَّ اقتراب المجتمع العباسي الأول إلي ينابيع الثقافة العربية ألزمه نوعاً من التوازن في التعاطي مع هذه ظاهرة. وجدير بالذكر انَّ السلطان في القرن الثاني كان يطارد ألماجنين وينزل بهم العقاب.وخير مثالٍ لذلك أبونؤاس الذي لقي من الحكومة أذي و اضطهاداً ونفياً وسجناً كما لقي من الناس نبذاً واعراضاً واستنكاراً.أمَّا هو كان يعرض عنهم ويصفح ولايعير لنصائهم ثمناً ولا يتراجع عن موقفه قيد أنملة.يقول أبونؤاس:
مالي وللناس كم يلحونني سفهاً ديني لنفسي ودين الناس للناس
(المصدر نفسه،ص316)
وهنا اريد أن أتسائل من الباحثين والأدباء والمورخين هل سمعوا يوماً ما بخبرٍ أو قرأوا روايةً عن أحد الفقهاء والقضاة القرن الثاني بِأنَّه تعاطي الخمر ونادم المجان وعبث بالغلمان؟.لكن هذا ماحدث بالفعل في القرن الرابع!فقد«يحكي أنَّه[القاضي التنوخي] كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده علي اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة.فإذا تكامل الانس وطاب المجلس ولذَّ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش ووضع[الوزيرالمهلبي] في يد كل واحد منهم كأس مملُوء شراباً قطربليا أو عكبريا… ويرقصون أجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق البرم والمنثور ويقولون كلَّما يكثر شربهم هرهر.»(الثعالبي،1983م،2/394) فالقاضي التنوخي كان يشارك أهل عصره حتي في الميل إلي الغلمان والتغزل بهم والشكوي ممّا يلقي من هواهم. وبالمناسبة انَّه كان يشغل منصباً دينياً رفيع. وأخيراً انَّ كل ما قدّمته لكم حول المجون العباسي انعكست صورته في الحياة الأدبية ولوّنت(هذه الظاهرة) الادب بلون ماجن خليع لم يشهده أحداً من قبل ولا من بعد. و في الحق انَّ هذا النوع من الأدب رسم ظلالة الحياة الماجنة في طيلة العهد العباسي؛ لان اندفع الادباء تحت تأثير هذا التيار الجارف واستجابوا لرغباتهم ورغبات ممدوحيهم وأهل عصرهم جميعاً.«فهذا اللون من الادب المكشوف لم يكن من قبل في الشعر العربي و انَّما هو يدين بظهوره لهذه الطائفة[المجان] من الشعراء الذين ظهروا في العصر العباسي فهم دون منازع أصحاب المدرسة الأولي.»(خليف،1998م، ص606)ولهذا أصبح المجون غرضاً بذاته في الشعر العباسي وسجّل الشعراء فيه كل ما تعارف عليه المجتمع العباسي ولاسيما العناصر غير العربية الذين خرجوا علي كلِّ ألقيم والمثل العربية والاسلامية. أي انّهم خرجوا عن الارستقراطية العربية. وكان أغلب هؤلاء الشعراء المجان من الأقوام الذين دخلوا المجتمع الاسلامي بعد الفتوح.
فنخلص من ذلك كله إلي أنَّ ألطابع ألفارسي ألمتمثِّل في ألأوضاع ألسياسيَّة و ألإجتماعيَّة في ألفترة ألعباسيَّة كان غالباً علي بيئة ألشعراء، مما سمح بِإنتقال ألأثر ألفارسي إلي ألشعر. و هو أثر مصدره ألواقع ألحيّ لا ألأدب ألفارسي كما يقول ألناقدون أمثال صبحي كبابة. و مهما قيل عن مصدر هذا ألأثر فانَّ له صداه في طبيعة ألتجليَّات ألفارسيَّة في شعر ألشاعر ألعباسي.فمِن ألبداهة أنْ تأخذَ ألأمة ألفاتحة ألواناً من حضارة ألأُمة ألمفتوحة و صوراً مِن تفكيرها و أصولاً من حياتها.فهي تأخذ ما لا يوجد عندها أو يوجد لكن خير مما عندها.و هكذا ألأُمة ألمفتوحة تأخذ مما فرضتهُ عليها ألأُمة ألفاتحة من ألوان حضارتها و مما لم يتحقق عندها. و كلٌّ من ألفاتح

پایان نامه
Previous Entries تحقیق درباره إلي، ألتي، العرب، الثورة Next Entries تحقیق درباره نؤاس، إلي، العرب، أبي