تحقیق درباره إلي، كما، كان، ذلك

دانلود پایان نامه ارشد

سوق الشعر و جعلوا من انفسهم سدنة الشعر و حرّاسه و تركوا أثراً واضحاً في نفوس الناس و لا سيما النقاد الذين جاءوا من بعدهم، فهؤلاء هم الذين يختارون للناس الشعر و يروون لهم ما وافق ذوقهم و مزاجهم. فمع ما كان للّغويين من دوافع سامية و نبيلة من وراء موقفهم هذا و هي الحفاظ علي اللغة العربية بسبب الظروف التي جدّت في الحياة العربية في العصر العباسي إلا انّ موقفهم قد حّد من تطوير الشعر و تجديده و حدّ من انطلاقته إلي الامام؛ لأنّ رفضهم لكلّ محاولة شعرية خرجت علي منهج الشعر الجاهلي من أسباب توارد الشعراء علي الصّور الجاهلية.و خامساً ترجع«إلي ترويج النقاد لفكرة استنفاذ المتقدمين للمعاني. فأصحاب هذه الفكرة يعتقدون أنّ الشّعر في محنةٍ و مصيبةٍ و يعاني ازمةً شديدةً. فقد سدّ القدماء منافذ القول و استولوا علي طرائق الكلام.»(قصاب،1980م،ص50).يقول ابن طباطبا:«و المحنة علي شعراء زماننا في أشعارهم أشدّ منها علي من كان قبلهم، لأنهم قد سبقوا إلي كل معني بديع و لفظ فصيح و حيلة لطيفة و خلابة ساحرة»(ابن طباطبا،1405م،ص9)و هذا القاضي الجرجاني يقول: «من تقدمنا قد استغرق المعاني، و سبق إليها و أتي علي معظمها»(الجرجاني،لا.تا،ص1/24).و كذلك الجاحظ يقول: «لم يدع الأول للأخر معني شريفاً و لا لفظاً بهيّاً إلا أخذه كل مَن جاء من الشعراء من بعده أو معه.»(الجاحظ،1996م،ص 3/311)
فمادام الأمر علي هذه الحالة، فلماذا يجهد الشاعر فكره و يتعب نفسه في تصوير معني سيجده متي تصفّح دواوين القدماء.فبهذا الاعتبار وجد المحدثون أن الأمر عسيرٌ عليهم و المجال ضيقٌ عليهم و الأبواب مغلقةٌ في وجوهم. و أينما اتجهوا وجدوا القدماء قد عبّدوا القول، و ذلّلوه، و أتوا علي كل ما فيه، فالمعاني علي حد تعبير اللغويين، نضبت و أن لا ملكية فيها و لا فصل. فما عساهم أن يفعلون و كيف يجددون؟ بالزخرف في العبارة و التنميق؟ أم في تفتيشهم في العبارات القديمة عمَّا يظنونه جميلاً؟ و الحقيقة انّ المحدثين قاموا بتفتيش العبارات و تتبعوا الزخرف و التنميق و وشّحوا به شعرهم و حفلوا و أكثروا منه، فأجتمع لهم من ذلك الجناس و الطباق و الاستعارة و غيرها من الأنواع التي وقع عليها اسم البديع. وسادساً ترجع إلي العلاقات الداخلية في المجتمع القبلي العربي التي كانت تكتسب طابعاً عرفياً. فهذا النوع من العلاقات لا تعرف الاجترائية أو تحديات البيئية أو الطبقية. فهذا يعني انَّ الفضاء الاجتماعي (فضاء القبيلة) فضاء شامل و موّحد و يتصف بالوحدة و الاستقرار و الثبات و التماسك الاجتماعي و سيطرة الوعي الجمعي بدل الوعي الفردي فبقت رؤية الشاعر رؤية جاهلية بدون تغيير و لا تحّول. و سابعاً ترجع إلي نظرة بعضٍ من المحدثين الذين يرون أنَّ الشعر القديم لايزال صالحاً للافصاح عن حاجات كثيرة في عصرهم. فهم يعتقدون بانَّ إذا كان الشعراء في الجاهلية قد تعصبوا لقبائلهم و في الاسلام لاحزابهم فلماذا لا يتدخل الشعراء بين العلويين و العباسيين كما تدخلوا من قبل بين العلويين و الأمويين ؟ و لماذا لا يرحل مروان بن أبي حفصة من اليمامة إلي بغداد ليمدح المهدي كما رحل جرير إلي عبد الملك بدمشق و النابغة الذبياني إلي النعمان بالحيرة ؟ و ثامنا ًترجع« إلي طبيعة حركة الشعوبية في ألقرن ألثاني ألتي استلزمت وجود حركة عربية مناؤئة لها، كان من أهم أسلحتها تأييد التراث الأدبي القديم و الحفاظ عليه.» (الجواري،1412 ه،ص 194) و تاسعاً ترجع«إلي خضوع الشعراء لعاطفتهم القوية التي تربطهم بمواطنهم الأول فكانوا يبكون الأطلال باعتبارها مظهراً بارزاً من مظاهر موطنهم القديم و كانوا في الوقت نفسه لايريدون أن يخرجوا علي نظام القصيدة العربية القديمة كما تحدد شكلها في العصر الجاهلي. ربما استجابة منهم لعواطفهم أيضاً و ربما لأن المؤاثرات القوية الداعية إلي التجديد لم تكن قد غزت نفوسهم بعد.»(هدّراة،1963م،ص150) و عاشراً ترجع إلي العقلية العربية في الاحتفاظ بالتقاليد الشعرية الجاهلية و الصيانة من افساد الذائقة المحلية. فقد واجه كُثَيِّر انتقاداً لاذعاً من امرأته عزة عندما وجَدَتْهُ قد خرج علي التقاليد الموروثة في وصف المحبوبة و ذلك عندما قالت له أنت القائل:
فما الروضةٌ بالحزن طيبة الثري يمجُّ النّدي جثجاثها و عرارها
بأطيب من أرد ان عزة موهنا اذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
قال: نعم، قالت: فض الله فاك، أرأيت لو أن ميمونة الزنجية بخرت بمندل رطب أما كان تطيب ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس:
ألم ترياني كما جئت طارقاً وجدت بها طيباً و ان لم تطيّب
(المرزباني،1965م،ص 203)
فبرأي عزة انَّ كُثيراً خرج علي المألوف في وصف المحبوبة عندما جعل سبب طيب رائحتها راجع إلي أمور خارجية من الأبخرة الحسنة التي تتبخر بها و ألتي يستوي فيها جميع الناس. بينما امرؤ القيس جعل رائحتها الحسنة من ذات المحبوبة و يستوي الأمر إن تطيّبت أم لا. و هذا ما يلائم الذوق السائد في المجتمع العربي و أوساط عمالقت النقد العربي من أمثال أبي هلال العسكري حين أعلن عن موافقته التامة لنقد عزة و ذلك في قوله: «و قد صدقت، ليس ريح الروض بأطيب من ريح العود إلا أنه لم يأت بإحسان فيما وصف من طيب عرق المرأة، لأن كل من تجمر بالعود طابت رائحته».(العسكري،1971م،ص 103)فالناس«قدَّسوا الأدب الجاهلي وکل شیءٍ جاهلي»(أمين،1939م، ص7-8)تقديساً أكبر مما يستحق و ذلك بفضل جماعة من العلماء ظهروا في الآخر دولة الأموية و اوَّل الدولة العباسية، يجمعون مفردات أللغة و أساليبها و آدابها وكان عملهم هذه يستحق الإعجاب والتقدير! و لكن ما لا يستحق الإعجاب و لا التقدير، انّهم رفعوا من شأن الأدب الجاهلي و فضّلوه علي كل أدب محدث و مولد و انهم وقفوا في وجه كل مجدد و أنهم ارادوا أن ينطبع الأدب العربي بالطبع الجاهلي لا غيره، فكان لهم– مع الأسف- ما أرادوا.»(امين،لا.تا، ص 2/247)

2-2- قشرة الحضارة و روح الجاهلية.
كما هو معروف انَّ الأدب بطبيعته لا يطيق التأسنَ في الثوابت والراكدات. لأنَّه لا يريد أن يبعث في النفوس السأمَ بسبب تكراره علي نحوٍ رتيب. فأللغة الشعريَّة، لغة تجاوزيَّة و لغة إرتقاء و كفاح ضد التحديد وضد الرسوب داخل الضيق المحصور. فهذا يعني أنَّ الغرض النهائي للتجاوز والخروج إلي فسحة الغرابة هو إنقاذ عذوبة الحياة، و درء التشيّؤ، والتخثُّر. وهذه الحالة لم تكن بعيدة عن الأدب العربي.لكن ما نريد قوله و الوصول إليه هو انَّ النقص فيه(النقص من ناحية التغيير والتحوّل) أغلب علي الكمال. و المتروك فيه(روح الجاهليَّة) أكثر من المأخوذ(الحضارة). فتعالوا معي لنعرِّج في الأدب العربي علي مرَّ العصور المتتالية لتبيين صحة ما أدَّعيناه.

2-2-1- العصرالاسلامي (صدرالاسلام):
إنّ الاسلام باعتباره عنصراً حضاريّاً فذّاً و مناخاً ثقافياً و وجدانياً جديداً بعث بلبلةً في نفوس الشعراء و ذلك حين وجدوا أنفسهم تجاه أثر فني عظيم لم يألفوا طريقته و لم يتعودوا أسلوبه ألا و هو القرآن الكريم الذي زلزل كيان الشعر و أصابه بهزةٍ فنيةٍ و فكريةٍ عنيفة اصابةً بالغة. فلابد للشعر بعد هذه الرجة العنيفة من افاقةٍ يفيقها و اتخاذ طريقٍ مناسب لما اقتضاه الحال يكون أخلق به و أولي.لكن و للأسف الشديد إنَّ الشعراء في صدر الاسلام لم يغتنموا هذه الفرصة و لم يستفدوا منها حق استفادتها و ذلك لعجزهم عن الملائمة بين ماضيهم الفني الموروث و حاضرهم المتأثر بالدين الجديد من حيث القيم، و المفاهيم، و العادات، و من حيث المعاني، و الالفاظ، و العبارات. فظلوا يتخبطون بين مفهومين اثنين، هما التجربة الجديدة و الأسلوب القديم مما أضاع فرصة ذهبية للتجديد و الابداع الشعري. و في الحقيقة لم يكن من السهل أن يتخلي شعراء صدر الاسلام عن ماضٍ شعري ضخم يكمن في أعماقهم و عن تقاليدٍ فنية موروثةٍ تجري في شراينهم، كما لم يكن بامكانهم و هم يمرّون في هذه المرحلة القلقة(مرحلة الانتقال)أن يبتدعوا أو يبتكروا مفاهيم و أساليب شعريةٍ جديدةٍ. اذن شعر هذه الفترة لم يكن سوي امتداد للعصر الجاهلي و شعراء هذه الفترة لم يختلفوا في شعرهم عن آبائهم في الجاهلية الاّ قليلاً. فجاء شعرهم، جاهليّ البناء و إن استمد المعاني الاسلامية و القيم الفكرية الجديدة. ولو استغلَّت طرائق التعبير عن الاحداث التي واكبت الشعر انذاك استغلالاً فنياً لارتقاء الشعر ارتقائاً يلائم ما تفضَّل به الاسلام من تطوير في الحياة الاجتماعية و الادبية.
فالجديد في شعر صدر الاسلام بقی رهناً لظروف الشعراء، و انتماءاتهم، و عقائدهم. أي من استجاب للدعوة و اتصل بالمجتمع الجديد الذي تأثّر بها أخذ بالتعبير عن تجارب، و أفکار، و أغراض جدیدة لها صلة بطبيعة المجتمع الجديد جنباً إلي جنب التقاليد الموروثة في الشكل، و البناء الفني. و من لم يستجب للدعوة بقي يدور حول دائرة التقاليد الضيقة مع شيءٍ من التأثير بالحياة الجديدة التي فرضت نفسها.و هذا ما يتضح بجلاء في موسيقي شعر الحطيئة و غيره من المخضرمين ألتي اعتمدت بعد مجيء الاسلام علي الايقاع الهاديء العاقل الرزين بعدما كان فيها ضخامة وصخب. فقد أثَّر الإسلام في موسيقي شعره وهدهدها وقلّل من حِدَّتها.مع العلم بانّ شاعراً مثل الحطيئة لم ترسخ فيه عقيدة الدين الجديد ولم يؤمن بها حق ايمانها.
2-2-2- العصرالأموي:
كما قدّمنا قد فرض احتكاك العرب بالحضارات المجاورة مع حركة الفتوح تغيّراً في طبيعة الحياة الفكرية و الثقافية و انعكس حضور هذه الحضارات في الساحة العربية ايجاباً علي معاني و أساليب الشعر في العهد الاموي و اتّضح ذلك جليّاً في قصائد الشعراء سواء كان في المعني أو المضمون أو الاساليب. فقد كان من المنتظر أن يتيح هذا الاحتكاك فرصةً للخروج من موضوعاتهم التقليدية غير أنَّ هذا الاحتكاك لم يؤدِّ إلي تغييرات فنية تمس جوهر الشعر، علي الرغم من أنَّ موضوعات الشعر اتّسعت و عباراته رقّت و مع ذلك فإنَّ هذا لم يكن کافیاً لتغییر کنه الشعر الذی «بقیت رسومه کما خطها الجاهلیون.و ظل النهج الجاهلی متبعاً.»(ابن خلکان،لا.تا، ص2/11) و الأسباب یمکن ان تجمل اولاً فی« قرب حیاة الامویین من الجاهلیة أی انّ حیاة العرب فی العصر الاموی لم تختلف عنها کثیراً فی جاهلیتهم، فقد بقیت الصحراء التی احتضنت الشعر فی جاهلیته کما هی من حیث تأثیرها فیه و لم تفعل الحواضر حین تلقّته اکثر من فعلها بشعر عدی بن زید(الشاعر الجاهلی) بل انَّ أثر الحواضر من هذه ناحیة کان یختلف فیه الشاعراء.»(الأعرجی،لا.تا،ص 20)
و ثانیاً فی«هیمنة سیادة القبیلة و اشتعال نار العصبیات القبیلة، فبنی امیة وجدوا فی اثارة هذه العصبیات کسباً سیاسیاً لدولتهم و دعماً لسلطانهم، لان اشتغال القبائل بعضها ببعض و اندفاعها فی تیار الخصومات القبیلة کان قمینا بصرفها عن معارضة نظام الحکم الأموی.»(النص،1963م،ص255)و بالنتیجة انّ کثیراً من الأغراض الشعر الجاهلی کالفخر، و الحماسة، و الهجاء فرضت نفسها بشکلٍ قوی فی أشعار الامویین.لکن علی کل حال هناک حوافز مهمة أدَّت إلی تطویر أدوات الشعر الاموی و مواضیعه و اعطاءه صفات أکثر خصوصیة مما کان علیه فی الفترة السابقة. و هی الحرکة الثقافیة (احتکاک العرب بالحضارات) و الرعایة الرسمیة للشعر من قبل الخلفاء، و الامراء، و قادة الجیش. و تطّور الحیاة الدینیّة و أثرها العمیق فی نفوس الشعراء. فبتأثیر من تلک الحوافز أخضع تفکیر الشاعر الاموی لأشیاءٍ لم یکن یخضع لها الشاعر الجاهلی و تجلّی ذلک الاخضاع فی انزیاحه عن أن یکون لساناً لعشیرته یدافع به عن شرفها و حرمها و اتخاذه طریق التعبیر عن عواطفه الذاتیة. إلّا انَّ القصیدة العربیة فی هذه الفترة بقیت غیر قادرة علی فک الصیاغة الفنیة الموروثة، و قوالب الشعریة المرسومة. اذن لم یطرأ علی الشعر کبیر تغییر فی العصر الأموی من حیث أسالیبه و طرائقه الفنیة، فحتذي الشاعر خطا أسلافه بحیث لایجد الباحث فارقاً ذا شأن من الناحیة الفنیة بین الشعر الاموی، و شعر الجاهلی. و التطور الوحید الذی طرأ علی الشعر الاموی إنَّما تجلّی فی المعانی و الأغراض الجدیدة.

پایان نامه
Previous Entries تحقیق درباره التي، الجرجاني، كان، الآمدي Next Entries تحقیق درباره الدولة، العباسی، العصر، الفارسیة